ابن أبي الحديد

240

شرح نهج البلاغة

وحتى يجر ببلادهم الخميس يتلوه الخميس ( 1 ) ، وحتى يدعوا الخيول في نواحي أرضهم ، وبأحناء مساربهم ومسارحهم ، وحتى تشن عليهم الغارات من كل فج ، وحتى يلقاهم قوم صدق صبر ، لا يزيدهم هلاك من هلك من قتلاهم وموتاهم في سبيل الله إلا جدا فطي طاعة الله ، وحرصا على لقاء الله ، ولقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه ، نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأخوالنا وأعمامنا ، لا يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ، ومضيا على أمض الألم ، وجدا على جهاد العدو ، والاستقلال بمبارزة الاقران ، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين ، يتخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون ، فمرة لنا من عدونا ، ومرة لعدونا منا ، فلما رآنا الله صدقا صبرا أنزل بعدونا الكبت ، وأنزل علينا النصر ، ولعمري لو كنا نأتى مثل الذي أتيتم ما قام الدين ولا عز الاسلام ( 2 ) ( وأيم الله لتحلبنها دما ، فاحفظوا ما أقول لكم ) ( 3 ) . * * * وروى بصر عن عمرو بن شمر ، عن فضيل بن خديج ، قال : قيل لعلي عليه السلام لما كتبت الصحيفة : إن الأشتر لم يرض بما في الصحيفة ، ولا يرى إلا قتال القوم ، فقال علي عليه السلام : بلى إن الأشتر ليرضى إذا رضيت ، وقد رضيت ورضيتم ، ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ، ولا التبديل بعد الاقرار ، إلا أن يعصى الله أو يتعدى ما في كتابه ، وأما الذي ذكرتم من تركه أمري وما أنا عليه ، فليس من أولئك ولا أعرفه ( 4 ) على ذلك ، وليت فيكم مثله اثنين ، بل ليت فيكم مثله واحدا ، يرى في عدوي مثل رأيه ، إذا لخفت مؤنتكم علي ، ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم ( 5 ) . * * *

--> ( 1 ) الخميس : الجيش الجرار ، سمي بذلك لأنه خمس فرق : المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساق . ( 2 ) كتاب صفين 597 ، 598 . ( 3 ) تكملة من كتاب صفين . ( 4 ) كتاب صفين : " وليس أتخوفه " . ( 5 ) كتاب صفين 598 .